الجمعة، 24 أغسطس 2018



كلما اقتربت من البشر أكثر عرفت أن هناك صيغًا مبتكرة وغير مألوفة للأذى، وأيقنت أن استحقاقنا للاحترام أكثر صعوبة ومشقة واهمية من منحه للبعض، وأن هكذا هم البشر تتبدل أهواءهم ووجوههم كما يتبدل الليل بالنهار، وكلما ابتعدت عنهم عرفت نفسي وأصبحت أكثر أتساقًا معها.

في عصر السوشيال ميديا لا أحد ينجو من مقصلة الاحكام والتشهير والتنمر والاتهام ،لا أحد يفلت من فخ (السكرين شوت) ومن ثم يقع فريسة ضعيفة لنفرّغ به كل أزماتنا الأخلاقية وعقدنا النفسية وكأننا نحن أصحاب النفوس السويّة ، الجميع يفعلها حتي وإن كانت بدرجات متفاوتة.
والبعض منا قد نجده مبدعًا في إحداث الأذى بالآخرين، لذا إذا كنت هشّ الروح ،حساس المشاعر ،فحريّاً بك أن تتوقف قليلاً ولا تتوغل في مستنقع البشاعة هذا ، لأن أول ما ستناله منه هو أن يذهب نقاء روحك .

الشهور القليلة الماضية التي قاطعت فيها كل السوشيال ميديا وابتعدت عن جو المزاحمة ومشاركة كل شيء تقريباً ،كانت بمثابة فترة أعادة تأهيل لتفكيري ،ولأنني لم أكن بوضع صحي ونفسي ولا حتي مزاجي يسمح لي بالردّ والشرح والتبرير وخوض نقاشات عقيمة ودخول جدالات لن تعود عليّ بشيء ،لأنني أيضًا لازلت أؤمن بالسكن الداخلي للإنسان ،فكان هذا التوقف ضرورة ملحة وكأنه إعلان لهدنة مؤقتة من العالم الافتراضي وحتي الواقعي ، حيث أنني شخص يمتلك دائرة معارف وصداقات محدودة  .

 لم يكن قرار الإنقطاع هذا بتخطيط مسبق مني ، ولا حتي بمعرفة ووعي لما سيؤول إليه ،ولكنه حدث بشكل تدريجي، رويدًا رويدًا شعرت أنني في عزلة شبه صحيّة ، ومن أجل ذلك، وبعد الابتعاد لأول يومان اتخذت قرار التوقف والامتناع عن أستخدام كل وسائل التواصل ،لعل هذا يلملم شتاتي ويعينني في استعادة ماتبقيَ من إنسانيتي المدهوسة تحت عجلات هذا العالم المتسارع المليء بالكراهية والظلم المبثوث في كل أرجاء الكوكب.

كُنت أشعر أن هاتفي قد أصبح امتداد ليدي ، أحمله معي أينما ذهبت ، أتركه الآن بغرفتي دون أن أشعر أنه فاتني شيء بالغ الأهمية ، وبالفعل كُنت قد فرضت قيودًا علي نفسي ووضعت حدّاً لاستخدامي لفيسبوك مُنذ عام تقريبًا، ولكن هذا لم يكن كافيًا ، فجاء دور باقي منصات التواصل الاجتماعي الآن بالتبعية، حتي أمتنعت عن استخدامها تمامًا بالشهور القليلة الماضية ، وعلي الرغم من أن للسوشيال ميديا جانب إيجابي لا يمكن أنكاره ولا يخفي عن أحدّ ،فقد أعطت للجميع مجالًا واسعاً للتعبير عن الذات من خلال طرح الافكار والأراء بحرية ،ويمكننا اعتبارها منصة للمقهورين يوصلون من خلالها أصواتهم للعالم ،كما أنها مساحة جيدة لتوسيع دائرة العلاقات ، وأيضًا قد خلقت بيئة أكثر ثراء في المحتوى المعلوماتي ،فضلاً عن إثرائها لمنظومة الإنسان الثقافية والفكرية والتوعوية، وهكذا، فمن الواضح أنها حققت فوائد لا تُحصى ولا يمكن تجاهلها في حياتنا.

ولكني الآن قد بتُ أكثر إيماناً أن الأثار النفسية لمواقع التواصل الاجتماعي أيضًا لا يمكن حصرها ، وإذا اعتبرنا فيسبوك- حيث أنه الشبكة الأوسع أنتشاراً والأضخم من حيث عدد الأفراد المستخدمين- يفوز بنصيب الأسد من هذا فلن نكون ظالمين ، فآثاره النفسية السلبية حدث ولا حرج ، وصلت إلى حدّ الاكتئاب الحاد والانتحار والتوتر المفرط والقلق وزيادة مشاكل النوم والثقة الزائدة الغير مستحقة وتشوّه رؤية الذات الحقيقية ، وحالات التحرش الالكتروني والتعدي اللفظي ، ناهيك عن حالة التوجس الدائم وعدم الرضا وشيوع الكراهية التي تسمم فضاء الإنسان ،وسلوكيات التنمر والسخرية والعنصرية والحط من قدر الأفكار والأشخاص... الخ ، وعلي هذا لا يمكننا الحصر ولا التحكم في الاثار النفسية والاجتماعية الهائلة لوسائل التواصل الاجتماعي .

جون بول سارتر لم يعاصر سنابشات ولا إنستغرام ولكنه وصفهما بدقة عندما قال
"لكي يصبح أتفه حدث مغامرة، فيجب ويكفي أن يأخذ المرء بـ"سرده" وهذا ما يخدع الناس". هذا ما فكرت به تمامًا عندما استخدمت سنابشات لأول مره ،فأنا بالأصل لم أكن استساغه ، ولكني فكرت باستخدامه بتوصية من صديق للتخلص من الملل ، فعُدت واغلقت حسابي بعد يوم واحد من تسجيل دخولي له ،أما إنستغرام فكان في بدايته تطبيق لطيف كونه يوثق اللحظات الجميلة عن طريق الصور، ولكنه غدا بالنسبة لي مكانًا لا يطاق ، أن أشاهد صوراً طوال الوقت للبشرية جمعاء في لحظات السفر والاستمتاع والاستجمام وحتي أوقات العمل والأحداث العادية والمكررة ، فهو -بالنسبة لي طبعًا- ضربًا من العبث، برأيي أن الصورة بالأساس هي مجرد إطار يحاكي هذه اللحظة فقط ، لحظة واحدة ، وليس كل الأوقات والنشاطات والأحداث العادية المكررة فقط لإظهار جانب واحد من حياتنا مشرق ومثالي حدّ الزيف ! قطعًا أنا هنا لا انتقد أي شخص يستخدم هذه التطبيقات بسلوكيات مغايرة لرأيي ،ولكنني أحاول إيضاح رؤيتي لها فقط.

ثم وبعد سنوات من ثورة الأنترنت أصبحت أري أن وسائل التواصل بشكل عام باتت أشبه بسعار استهلاكي وجنسي قبيح جداً ، سباق دائم خلف معايير جمالية واجتماعية خيالية يحلُم الجميع بالوصول إليها، صراع مستفحل لجذب انتباهي كمستهلك ،تفشت ظاهرة التسليع والترويج لأي شيء وكل شيء تقريباً ، موجة غير مسبوقة من الأسهاب الإعلاني الرخيص لتصنع معها جيلاً قادمًا يقود نفسه إلي الأنانية والسطحية أكثر مما يجري الآن.
 وصلت بي لدرجة أن أرسل شكر لأي حساب مخلتف وجمالي أو ثقافي أو فنّي بعيد عن أغبياء ومشاهير السوشيال ميديا   و"الفاشنيستا والفود بورن" وكل هؤلاء الذين لا أعرف ماهي علّتهم تحديداً .

 لقد تخلصت من أول فكرة كانت تطرأ ببالي حول أي شيء "كيف أشاركه؟"، كيف أصيغه في بوست أم تويت أم الأفضل أن أدونه بصوره بإنستغرام ، فكانت هذه الفكرة مزعجة بالنسبة لي وتأخذ من تفكيري بجوهر الشيء ومحاولتي لاستيعابه فكريًا و شعوريًا، أصبحت أكتب وأدون علي مفكرة هاتفي او في دفتر يوميات بشكل أطول وأكثر بساطة وراحة بعيداً عن هوس الأعجابات والتعليقات والمانشن والشير، وكل تلك الرموز التي علي اساسها يتم تحديد قيمتك في مجتمع السوشيال ميديا.
تخلصت من الحدود المقيدة للفكر وللشعور الي تفرضها علينا السوشيال ميديا، علي سبيل المثال حدود الأحرُف في توتير، وفي إنستغرام هناك عين الكاميرا والفلاتر والكابشن حتي أُلائم "المقاييس الخاصة" للتطبيق ، وأيضًا مراعاة من يقرأ كلامي وكيف تُفهم مقاصدي في المحيط الفيسبوكي  ، استبدلت فيسبوك وإنستغرام بقنوات يوتيوب وقوائم لأفلام وكتب وبودكاست ووثائقيات لا تنتهي ويمكنني أن أستمتع بها أكثر ،أفضل الدوائر الصغيرة الحميمية التي يمكنك السيطرة بها علي المحتوي الذي تشاهده او تشاركه ،لقد اصطفيت القناعة بالنفس علي هوس المشاركة الجماعية وكم الأعجابات وحبّ المديح وجو النفاق الاجتماعي .
لقد أستراح عقلي من السباق اليومي لمشاهدة كل الستوريز والتريندات السخيفة  وكل هذه الاشياء التي تظهر وتختفي لتُشعرك أن كل البشر أصبحوا نسخ سيئة ومكررة من بعضهم ، هدأت نفسي من كل الأشياء الي أراها ولا أستطيع الحصول عليها، استهلاكي للأشياء الزائدة قلّ كثيراً ، خف هوس التسوق ولم أعد أشتري إلا الأشياء التي أحتاجها فعلاً، أنعتقت من النموذج الذي أفرزته السوشيال ميديا للفتاة "الدلوعة الكيوت" و للمرأة "Strong independent woman" فتيات كثيرات ذوات عقول ناضجة كُنا نحسبهن ذوات مواقف إنسانية حقيقية ، ولكن الإيام أثبتت أنهن لسن أكثر من ساعيات للبروز الاجتماعي في محيط السوشيال ميديا، تجدها تستجد الشهرة لتكون محط اعجاب ولفت للأنظار فتسقط في وحل السخافة والدناءة في آن معًا ، تجدهن كاتبات وناقدات ومدونات في صورة فاشنيستا، كل ذلك من أجل أن يُشعرن أنهن أفضل من غيرهن وأجمل من غيرهن ومحط اهتمام  أكثر من الباقيات .
أعلم أنه ليس من شأني تحديد ما إن كان ما يقوم به غيري  سخيف أم عظيم ، وليس من واجبي الحكم إن كان هذا شيء مهم وأصيل أم سطحي ومزيف، ولكن كما ذكرت أعلاه ، جميعنا يمارس هذا بدرجات متفاوتة إن كان بوعي منا أو دون وعي ، هذه هي ثقافة الانطباعات والأحكام الظاهرية للسوشيال ميديا.
الجزء الأهم في هذا كله أن خصوصيتي بعد الابتعاد أصبحت بوضع أحسن كثيراً ، وهي لو تعلمون راحة بال منقطعة النظير.

‏ دان سلوبن لديه طرح يسمي (Thinking For Speaking)،وهي نمط مختلف من التفكير ندخله علي أفكارنا قبل أن نتحدث  بأي شيء ، كنوع من التهذيب والقولبة للأفكار ، وهو يتضمن تطويع كل أفكارنا بحيث أن  تتماشى مع القواعد والمفردات اللغوية المطروحة أو السائدة ،ووضعها بقوالب قابلة للفهم والتواصل  .

‏ومن هذا المنطلق فأنا أعتقد أن هناك نمط آخر للتفكير وهو
 (Thinking For Social Media)، وأعني بهذا أننا نحصر أفكارنا بقوالب فكرية محدودة ونصيغها بلغة محددة ،لغة قاصرة "وقابلة للانتشار " بشبكات التواصل الاجتماعي " اللغة السائدة" ، وأعتقد أن هذا شيء غير صحي لعقولنا وطريقة تواصلنا ببعضنا البعض ، كذلك أري أنه من واجبنا تجاه أنفسنا أن نكسر هذا النمط بين حين وآخر.

أخيراً نحن في العالم الافتراضي مجرد ظلال لشخصياتنا ، لسنا ذواتنا بصورتها الكاملة والحقيقية ،هناك عدة جوانب لنا محجوبة حتي عن انفسنا، وايضًا ممن المهم أن لا ندع هذا العالم الافتراضي يشكلنا بعد أن كنا نحن من شكلناها.

لقد غادرت السوشيال ميديا لهذه الأسباب ، ربما تكون مفهومة لدي البعض، وطفولية لدي البعض الآخر، وردة فعل مبالغ بها لدي الكثيرين،
ولكني لا أهتم بالرجوع إليها في الوقت الراهن.
هل سيتحسن العالم بهذه العزلة ؟ بالتأكيد لا
هل ستستمر هذه المقاطعة للأبد ؟ أيضًا لا ، ولكني أأمل أعود لها بسلوكيات مختلفة.



الخميس، 19 أبريل 2018

بعد منتصف الليل


وبينما ينشغل العالم في الخارج بالحروب والخدع والتطبيل والتهليل والهبل والسياسات الخرائية المبهمة، أنزلق أنا في حوض الأستحمام مثل أي ترس أنساني بائس في هذه المنظومة الكونية البالية، أتحدث إلي زجاجة الشامبو بصوت خفيض ومتقطع أشبه بحشرجات، وكأنني أبحث عن ملاذ،
أيها الشامبو لم أعد احتمل، لم يعد بأمكاني حصر أخطائي المتكررة أو تقيمها بدقة ومهارة كالسابق ..
ترد هي : لست طبيبك النفسي، أنا مجرد زجاحة شامبو أيتها الفتاة الدرامية الحمقاء.
أرد عليها بشكل تلقائي وطفولي : أرجوكي، يجب أن تحترمي البعد المأساوي لشخصيتي .
تقول  : حسناً .. ماذا بكي ؟
أقول  : لم أعد أحتمل تكاليف عاطفتي وأفكاري، ولا يمكنني التخلص من سطوتهما عليّ، دائماً ما أجدني أتبع الحد اللانهائي للمشاعر والأفكار، الحد المتطرف.
فترد قائلة : تعرفين جيداً كم هو مكلف أن تتطرفي.

أسترسل في حديثي عن تلك الأفكار لأقول لها : أخر مرة كنت أفكر فيها في الرب انتابني شعور غريب بالحزن والأسى تجاهه، كم هو كائن وحيد وأزلي في وحدته ولديه ليل لا ينتهي، قد شعرت أنني مثله، كأنني إله لديانة فانية، هجرها كل أتباعها وتركوا معابدها للصدأ ، شعرت أنني وحيدة مثل إله هذه الديانة، كان شعور مثقل بالوحشة، تلك الوحشة التي تنتابك وسط الجموع حينما تتضخم عيناك بالدموع، ولكن لا أحد يستطيع أن يلحظ ذلك.
أجد زجاجة الشامبو تتجاهل حديثي، فأكتفي بهذا القدر من هذا الحديث الجنوني كليًا وجزئيًا، كان يجب علي اصلاً أن لا أشارك أحداً هذه الأفكار وألا جعلت من نفسي أضحوكة. 
أخرج من الحمام ثم أرتدي ثوباً فضفاضًا ليمر الهواءمن خلاله، أن الذي يربت علي قلوبنا في لحظات من الوحده كهذه ليس سوى نسمات الهواء البارد، ربما تستطيع لمسته أن تخفف من وطأة كل هذا، أذهب لسريري بجانب النافذة أنني احرص على أن أبقي الستائر مفتوحة على هذه السماء الواسعة حتى الصباح، يمكنني الآن أن أزيل هذا الحاجز الكثيف من الضجيج الذي يحول بين روحي وسمعي، تلك الحاجز الذي يحرمني من الأستماع الى صوت العالم وإلى الأصغاء للطبيعة وحركة الأكوان، لصوت وخزات المطر وحتى إلى الأخر وإلى نفسي، يمكنني أن أسمع صوت الليل يصدر صفيراً حادًا يثير مشاعر الشجن بداخلي، إن هذا الوقت من الليل الذي يُسمح فيه للأرض بكل ما عليها بأن تكون متعبة، دون أن تضطر لأرتداء قناع وجه مزيف غير الآلم، يمكنني أن أسمع أنغام السيمفونية التاسعة لبيتهوفن في أذني، لطالما أعتقد أنني يوماً ما سأجد طريقة سرية وخاصة لأرى بها الموسيقى وهي تسري بداخل الآلات، وربما وقتها فقط سأتخلى عن مشاهدة الأفلام، وعن القراءة، عن مخالطة البشر، وسأظل أتاملها حتى الموت.

أراقب تلك الأضواء الخافتة المنبعثة من النجوم في السماء، أراقب تلك الأجسام المضيئة وهي تذوب وتتلاشى من حولي ، أراقبها هكذا دون الرغبة في أن أسأل مثل أي إنسان آخر هل تبقى ليّ وقت لتصحيح كل هذا ؟
أيها القيد الخفيّ الذي يحول دون أن تغمض عيناي، هل هذا العالم حقيقي؟ هل هو واقعي؟ أنني أحس بواقعية كل الأشياء التي تمارس ثقلها عليّ في كل لحظة، ولكني لا أدري إن كان شيئًا من هذا حقيقيًا أم لا، يبدو ليّ أن هذا العالم وكأنه كابوس طويل مزعج، لا يمكن الاستفاقة منه، يبدو ليّ أن هذا الكون الفسيح المرئي والأكوان الآخرى التي لا يستطيع بعض البشر أدراكها، يبدو لي وكأنه مجرد حلم في إغفاءة قصيرة وهانئة للرب.
أيها القيد الخفيّ، ما هو الشيء الحقيقي في أن أتأمل كل هذه الألوان دون أن أمتلك لونًا خاصًا لي؟
ما اللون الذي ينبغي علي أختياره كي لا تقع عيناي في فخ التوهج واللمعان المفرط للأشياء البعيدة أو المزيفة ؟
وإلى أي مكان في هذا  الكون يمكن للإنسان أن يهرب إذا كانت كل الطرقات توصله إلى نفسه في النهاية، إلي أين وكل الأبواب مفتوحة في صدرك لتقفذك من جديد  إلى ذاتك فقط ؟

أنني مرهقة من التحديق في تلك النجوم التي لا تضيئ جيدًا  في هذه البقعة البائسة من الكون، متعبة من أرتداد هذا الظلام المتناهي في السماء إلي داخلي، متعبة من ذلك التداخل بين أعمدة الأنارة والتشتت الذي تبعثه في نفسي عبر عيناي، من كل هذه المحاولات المستميتة التي تبددها النجوم عبثًا حتى تصبح حقيقية  وذات معني أكثر، متعبة من البحث عن واحدة ليّ لا تنطفئ ولا تغير موقعها.
وأتمنى لو كان بأمكاني الرحيل لأنه لم يعد بأمكاني تفادي كل هذا الضياع.

الأربعاء، 24 يناير 2018

عن فظاعة مخاوفي

قبل أيام قرأت كتاب (قصص ضائعة ) لماركيز ،كتب هادئ وممتع في قراءته، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات يقترب بعضها من لغة السيرة الذاتية والمذكرات، ويغلب على مجملها الطابع القصصي، تتنوع بين الأدب والفلسفة والنقد وأمور شتى، وتتنوع أيضاً الشخصيات بين الأدباء والمخرجين والسياسيين والكتّاب، يستطرد فيها ماركيز في الحديث عن معاناة النساء في عيش الحياة المرسومة لهن مسبقاً في مقالاً بعنوان "الزوجات السعيدات ينتحرن في الساعة السادسة" ، وأيضاً يتحدث عن ميتافيزيقيا الدروب في مقالة "أشباح الدروب" ويسرد فيها تفاصيل قصة عجيبة لأمرأة تقف على جانب الطريق ثم تركب سيارة مجموعة من الأشخاص لتحذرهم من منعطف خطر على الطريق، وبعدها تختفي تماماً، وفي مقالة "العظماء الذين لم يكونوا كذلك أبداً"  يتحدث عن وجهة نظره في الأدباء الذين نالوا جائزة نوبل، وأرتباط هذه الجائزة بخرافه شائعة بين الأدباء متعلقة بموت من يحصل عليها ، كمؤشر  أو علامة لقرُب أجلُه.
أما أنا ففي كل مرة أدخل فيها من أحدي أبواب الكتب ثم أنتهي منه، لا أكون أنا ذاتها التي كنت من قبل، أنها هذه القدرة المخيفة للقراءة هلى صفعنا بتلك اليد الجافة. إن هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي بعد الانتهاء من قرأتها، بل تقودك - رغماً عنك- لتبدأ بعدها رحلة سرية لا تتوقف خلف أسور عقولك مع غرابة أفكارك.

ومن بين كل هذه القصص الضائعة لماركيز فقد نجحت مقالة " أبهة الموت "  في أثارة مشاعر غضب وشفقة عميقة داخل نفسي نحو كامل جنسنا البشري، وتركت داخل عقلي المسكين ألف سؤال وسؤال يصارع كل منهما الآخر، وما كان هذا الصراع إلا بداية لطوافان جديد من الأسئلة والأفكار التي لا حصر لها.
وقد يكون ما أثار داخل نفسي هذا الفزع
هو أن تفاصيل هذه المقالة تحديداً -أبهة الموت- تقاطعت مع بعض المخاوف لدي، فأنا حقا ترعبني صيغة الجمع في مواجهة المفرد، المجموعات في مواجهة الفرد الواحد، المرضي في مواجهة الطبيب، التلاميذ في مواجهة الأستاذ، الحكام في مواجهة المواطن ... الخ

فكرة إلغاء الأنسان بكل ما يحويه من اتساع لأفكاره ومشاعره لتغليب ونصرة صفته الاعتبارية المؤقتة التي يمثلها "الآن" ليتعامل معنا من خلالها، إلغاء الإنسان لتغليب النمط أو القالب الذي وضع فيه ويمثله، عندها ينسى الطبيب أنه يواجه إنسان يتألم ليبقى بالنسبة له مجرد "حالة" ، ينسى الأستاذ أنه يتعامل مع طالب له ذاته الخاصة ويفكر بشكل فردي ، ويتذكر أن ما يواجهه هي مجرد أجساد تجلس علي المقاعد، وبطبيعة الحال الفكرة نفسها تتكرر مع باقي الأدوار في الحياة.
يتحدث ماركيز في هذه المقالة عن جمود الروتين اللعين، والمأساة التي تخلقها البيروقراطية ويتناول هذا من خلال وكالة لدفن الموتى، يصل بها الامر إلى أنها تسوق للموت بنشرات دعائية أقرب ما يكون إلى الرحلات السياحية، وبفعل التعامل اليومي مع الأموات تُخلق حالة من الاعتياد يفقد فيها الموت هيبته وجلاله وتجعل الموظفين في الوكالة المذكورة - تُجار الموت كما أسماهم ماركيز -تتعامل مع الموتى وذويهم بطريقة مجرده من الرحمة، طريقة آلية باهتة خالية من آية مشاعر أنسانية.
يحكي ماركيز أنه ذهب ليشهد مراسم حرق جثة لصديقه، فيجد التوابيت التي أشتراها عائلات الموتى لتضم جثامين أحبائهم قد أصبحت بلا فائدة فبعد انتهاء مراسم الدفن، تقرر الوكالة بيعها من جديد لعائلات موتى مستقبلين.
يصاب ماركيز بالذهول من طابور الانتظار الطويل للجثث التي ستحرق وذويهم، وبعد الانتظار لساعات يقترح  عليه احد الأشخاص أن يذهب هو ومرافقوه، ثم يعودوا في اليوم التالي مبكرين ليكونوا أول من يصل حتى يتمكنوا من أتمام مراسم الحرق، والموظف الوحيد في هذه الوكالة يفسر هذا الأمر بلهجة خبازين الأفران فيقول لهم  "الفرن مشغول، والفران وهو في الداخل لن ينتهي من التفرين قبل ثلاث ساعات" !
ثم يختم ماركيز مقالته بقصة تحمل الكثير  من البشاعة بين سطورها، قصة عن أمرأة من الطبقة المتوسطة، باعت كل ما تملكه ليحظى زوجها بجنازة أكثر رقي وأبهة من إمكاناتها الطبيعية، وقد كانت كل الترتيبات تبدو جاهزة ومثالية، إلى أن يتصل بها أحد تجار الموت في وكالة دفن الموتى ليخبرها أن الجثة أطول مما هو مذكور في العقد، وهذا يعني أن عليها دفع مبلغ إضافي لإتمام مراسم الدفن، فتخبره المرأة أنها انفقت كل شيء معها ولم يبقى لديها ولا قرش، فيقترح عليها الموظف حلًا بصوته الهادئ ويقول " أرجو منك  أن تمنحينا تفويضا لنشر قدمي الجثة."
وبالطبع لن تقبل بهذا الحل المرعب، وما كان عليها إلا أن تجد المال بطريقتها ليدفن زوجها كاملًا.
ومن أكثر الأسئلة والمخاوف رعبً هو هذا الذي تركته قصة هذه الأرملة في ذهني.
إلي إي مدي يمكن لإنسانيتنا أن تصمد في مواجهة الروتين والبيروقراطية وبشاعة سُبل العيش ؟
أو بالأصح هل مازالت إنسانيتنا موجودة أصلًا أم سحقت تحت وطأة مأسي جنسنا البشري ؟
 هل مازالت صامدة كاملة أم أن أجزاءً منها قد تم استئصالها لتلائم المقاسات المحدد لبشاعة الوجود ؟

الخميس، 7 ديسمبر 2017

لا شيء علي الاطلاق ..

من أين يأتي الحزن الذي لا مصدر واضح له ولا أسم؟ كيف يبدء؟ كيف يظهر علينا؟ هل أنا لدي فجوة في روحي يأتي منها؟ كيف يهدم المدن الجميلة التي كانت يوماً ما داخلنا و يجعلها رُكـام ، تلك المدن المليئة بالأضواء والموسيقي والشغف للمعرفة وإكتشاف الكون ، لا يوجد للحزن موسيقى لائقة و لا مزاج محدد حتى نتهيأ له قبل أن يدخل علينا بثوبه الرمادي ،فهو يأتي بغّته مثله مثل الموت والحب .

في الخريف والشتاء تطول ساعات الليل وعليه أيضا يطيل الأرق ساعات زيارته لي ، والأسوأ منه ذلك النوم المتقطع الذي يوقظني منه حلم ما أو حركة القط بجانب السرير بعد كل ساعة أو ساعتين. في الظلام أحدق وأفكر ربما كان وجودي ليس هو الا فكرة في رأس أحدهم وستنتهي حالما يهز عابر سبيل كتف صاحبها بمحض الصدفه ، كأن وجودي هو إحتمال معلق علي حافة الخيال !! أفكر ربما أن أحلامي التي أراها وتوقظني مطمئنة أو فزعة ربما حتى هي كانت تخص شخصٍ آخر في مكانٍ وزمان آخر ، عجيب هذا العقل الذي يعطي ما يشاء من تصورات لا يمكن السيطرة عليه !
 أفكر هل تعبرنا الأيام لتنتهي منا ام أننا نعبرها لنكتشفها ، كيف تنقص منا لتكتمل،  ورغم هذا لا تبدو كاملة ابداً في أعيننا، هذه الأيام السريعة البطيئة التي تنقضي بشكل أطول من اللازم وأقل من المطلوب ، تنقضي تاركه آثارها علينا كندبات لا يمكن ان تختفي ابداً ، بل أن هذه الندبات تظل تتراكم وتتراكم  بداخلك مثل التصدعات التي تتسع في المباني وتهدمها، تفعل هذه التراكمات مثلها في قلبك تماماً ، أشعر إني كمن فاته أخر قطار للآلحاق بأحلامه، عاجزه حتي عن معرفة ما الذي يتوجب علي فعله ،إنه ذلك العجز حين لا تستطيع حتى أن تصف حياتك بالخراب، عندما لا يكون هناك أصلاً ما تم بناؤه فهكذا لا يمكن أن يحدث تدميره.
أفتح مفكرة هاتفي  لأكتب شيئاً
 "ماذا فعلت اليوم؟"
لا شيء علي الاطلاق .. 
أعلق بهذه الجملة في نصف سطر وأغلق الهاتف ليعبر اليوم وينتهي.
كل شيء يحدث هنا هو نسخة مشوهة وتافهة من الأشياء الطبيعية الممتعة ، بيئتنا تسمم كل شيء تقريباً ،أحيانا انظر من حولي وأري الجميع قد فقدوا عقولهم ، أري هذا الجنون الناتج عن الفرق بين ما أعتدنا كونه حقيقة لا يشوبها شائبه ، وكنا قد أمنا به دوماً ،وبين ما رأينها وتعلمناه بالتجربة القاسية تلو الأخرى ،أري كيف أننا الآن نجد أنفسنا وسط حطام من الفوضى والضياع ،  حتي أنه بات من المستحيل إستشراف المستقبل الذي أصبح أكثر غموضاً وتشابكاً ، فأدرك وقتها أن التجارب القاسية اليوم باتت جماعية أكثر منها ذاتية .
ويمكننا ببساطة أدارك هذه الحقيقة من خلال هذا العالم الإفتراضي الذي منحنا كامل الحرية لإظهار ما بداخلنا من جمال ، ومن بشاعة ، فبفضل وجودنا فيه الذي يشبه الذهاب إلى تجربة أداء فيلم تاريخي عظيم ،يظهر الجميع فيها أقصي ما عندهم حتي يتم قبولهم ، ولا أعني التمثيل في تشبيهي هذا ،أنا فقط أردت إيضاح هذا الكم الهائل من التفاني في أداء شخصياتنا .. فأنا لا أعرف قطعاً هل نحن نُظهر المعادن الحقيقية لشخصياتنا بمعرفتنا المختارة أم اننا ندعي؟
 لقد شاهدت الكثير من حولي يكتب عن أحزانه وخسائره ، وشاهدت الكثير من الردود المُطمئنة والمواسية ،وشاهدت أكثر من الردود الساخرة والمتأففة .. ماضر هؤلاء؟ ماهي مشكلتهم بالضبط مع من يعبر عن حزنه او مأساته! حتي لو كُنت غاضبة ناقمة كل الوقت فأنا لدي أسبابي بالتأكيد التي في مجملها لا تهدد راحة أو طمأنينة أو سعادة وتفاؤل أحد.
 هل يجب أن ندعي الثبات والقوة الزائفة ونصطنع السعادة والتفاؤل ونظهر بأبهى حلّة ونتبني النظرة الإيجابية الباردة التي تغتال صدق مشاعر الإنسان ! هل يجب أن يقتصر وجودنا في هذا العالم الإفتراضي على إظهار جانب واحد مثالي فقط! الم تعطيك مثل هذه الأمور انطباعاً زائف عن الإنسان!

أعرف جيداً أنه من طبيعة بعض البشر إنهم  لا يمتلكون السعة في الإنصات، خصوصاً لو كنت تتحدث لهم عن أوقات حزنك التي لا نهاية لها ،ستجدهم لا يلقون لحكايتك أذناً ، أو سيقومون بتسخيف همومك وتأطيرها بلا مبالاة ، أو ربما ستجدهم يستعرضون أمامك قواتهم وصلابتهم في مواجهة حياتهم المليئة بالأحداث والانجازات، لا يتمتعون بالإرتياح لرغبتك الصادقة بالحديث بلا نية لقلبك بأي مواساة أو كلمة ضماد،  لم يتفهموا أن كل ما توده هو إلقاء مشاعرك من جرف روحك.
ولكني أعتقد أن هذا التراكم الهائل والمخيف للحزن داخل قلوبنا جعل من العزلة ملجأ أول وأساسي داخل الأشخاص، كلاً منا يحمل جحيمه الخاص بداخله ويهيم فيه ،يحاول البعض وأنا منهم طبعاً فهمه، أو الوعي له، ولكن المرهق في هذا أنه ليس هناك معلم يشرحه سوى اجتهادات نفوس أصحابه والتي ستقضي علي هذه النفوس بدورها .
لهذا ربما كانت الكتابة والجنون أيضاً في هذا العالم أراحوا الكثير منا ، فهذه هي الحرية الجديدة المتاحة التي اختبرناها جميعاً ،ولكن ما يزعجني حقاً أن هذا العالم لا يحترم أحزاننا الصغيرة ، تلك الأحزان الصغيرة التي توجع لكن لا يمكنك الحديث عنها.. تماما مثل حزن كومبارس دعى أصدقائه لمشاهدة العرض ، تأخروا قليلاً في الحضور ، فانتهى دوره فيه.
يزعجني أنه لا أحد يقف للحظة حتى يفكر بهذه الأمور كأحد أكثر أشكال المواساة إنسانية ورحمة .
بالنهاية لن تترك الأشياء واجباتها الكونية من أجلنا ، لذلك ربما علينا نحن أصحاب الحظ العاثر ، الحزاني المكتئبين ،ربما يجب علينا أن ننشئ حزباً ما، أو نذهب لكوكب آخر أو حتى نختار جزيرة معزولة نُسميها جزيرة الخاسرين ، ثم ننقرض فيها بصمت وسلام .

‏‏






























الاثنين، 9 أكتوبر 2017

ضجيج الأنا



في لحظة ضيق وحزن ليست غريبة علي، وكوسيلة مستهلكه لتحسين الوضع والمشاعر التي أشعر بها، حاولت أشغال عقلي بفكرة ما، فوجدت نفسي أتذكر جملة غريبة من فيلم شاهدته قبل عدة أشهر تقول فيما معناه: "نيويورك... مدينة مليئة بالضجيج ،ليس ضجيج زحام شوارعها فقط ولكنه ضجيج الأنا وكأن كل الناس تصرخ بأناتها" 
ثم وجدت نفسي أتسأل: كيف تجد ذاتك وسط ضجيج الأنا؟ كيف يمكنك أن تتصورها أو تصيغها في عدة أشياء أو تصرفات تمثلك؟ كيف يمكنك أن تفرض وجدها وهي تثبت وجودك من خلالها؟ وكيف تحافظ علي هذا؟ كيف تتأكد أنها الآن وفي هذه اللحظة حقيقة صادقة وليست صورة لأشخاص وقعت في فخ أناهم ؟
‏ليست نيويورك وحدها التي تضج بصراخ الأنا، جميعنا كذلك ،أنت لست معفي من صراع الأنا داخلك لتظهر بشكل مثالي في لحظات، أو بحقيقتك المجردة في لحظات اخري، ربما هذا شكل من أشكال التمرد لإثبات وجودنا علي قيد الحياة اصلا، فالإنسان يخوض في الحياة معركة مصيرية كبرى عنوانها (أنا)، ربما الحياة بكل صورها هي ضجيج من الأنات، أنات تقاوم وتصرخ لتثبت وجودها، ولكن السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه الآن: لماذا في كثير من الأحيان يضيع وجودك بكل ما تحمله من أفكار معقدة، وصراعات داخلية،  وهدوء خارجي، يضيع مع انبهارك في صراخ أنات الآخرين؟يسرق منك دون قصد، كيف تكون أنت في كل الأوقات، دون مبالغة في أظهار وجودك، أو اجحاف في حقك، كيف تقاوم لتظل في الوسط .

أعتقد هذه معركتنا جميعًا ضد الإستلاب، إستلاب ليس لشئ من ممتلكاتك ولكن إستلاب لشخصك ولجوهرك، هذه معركة يخوضها الإنسان ضد العالم كله بدئًا من سلطة العائلة ووصولًا إلى لسلطة المجتمع والدولة، وتحديدًا هي معركة ضد أنات الأخرين التي تصرخ من حوله لتثبت وجودها هي الأخري، فمثلًا الكون والطبيعة أشياء يمكن للإنسان أن يقترب منها ويلمسها، أو حتي يجد نفسه يتوحد معها في بعض اللحظات، لكن الذي يصعب عليه التوحد معه، هو جنسه البشري‏، والغريب هنا أنني غالبًا ما أكتشف ذاتي من خلال الغير، أكتشف مشاعر في داخلي وجوانب مختلفة من شخصيتي عبر كل الأشخاص من حولي، وأيضًا أهم سبب ليفقد الإنسان ذاته وتضيع أناه يحضر عبر هذا الغير، وهنا تأتي المفارقة القاتله، كيف أعيش معركة لإثبات ذاتي، وإكتشاف من أنا، وما هو مكاني في العالم، ومالذي يريده مني وما الذي يرفضه، وما الذي أريده أنا بالتحديد ،وكيف أري العالم من حولي والطبيعة،والمجتمع، والإنسان ... الخ، وفي نفس الوقت يمكن لكل خطوة واكتشاف أن يقودني إلى منعطف وكل منعطف يمكنه أن يكون طريق للإستحواذ علي وجودي!
‏كافكا كان يتسائل: "كيف أصبحت الشخص الذي أنا هو؟ هل أنا نفسي فعلًا، أم صنع مني الآخرون بالأحرى الشخص الذي أنا هو؟" أعتقد جواب هذا السؤال سيكون ولادة جديدة لأي شخص.
‏أعلم أنني أصغر بكثير من كل هذه الهذيان العقلي الذي ذكرته في الاعلي، وليس لدي القدرة ولو بقدر قليل علي تفسير تقلبات النفس البشرية وتحليل نزاع الإنسان مع نفسه ومع الأخر والغوص في هذه الصراعات الإنسانية ،وأقل شأن من أن أجد إجابات لمثل هذا النوع من التساؤلات ، ولكن هناك دائماً تساؤلات ليس لها اجوبة شافية، وفي الحقيقة هذا الأمر يجعلني أشعر أحيانًا اننا مجرد كائنات مبرمجة ليس لها عقل أو أدراك أو قدرة علي التحليل والاستنتاج، والمجنون بيننا هو الشخص الوحيد الذي كسر هذه القاعدة ووجد إجابات ترضيه .
هذا النوع من المواضيع التي قد يراها البعض لا تشكل فارقا حقيقيا في حياة أي منا، أري أنها من أهم الموضوعات التي لا تحظي بالخوض فيها لكثرة الأغلفة الضبابية التي تحوم حولها، وكل محاولة للكشف عن مكمنها هي محاولة مثيرة ومرهقة ذهنياً، ولذلك أكتب عن هذه الأشياء التي لا أكاد أستطيع حتي وصفها بصيغة جيدة، ولكني أكتب عن الأفكار التي تقطع طريقي وتعثر بي، أكتب دون نية في قول شئ بعينه، فهذه الكلمات هي خطوات لأصابعي في منطقة شديدة الظلمة في عقلي، لا ضوء فيها غير ما ينكشف مع الكلمات عبر كل خطوة. ربما تكون هذا محاولات لعدم مصادرة وجودنا وأرادتنا الحره .

الثلاثاء، 15 أغسطس 2017

السنوات المتراكمة



 منذ سنوات أدركت أنه يجب ألا أنتظر من الحياة مستقبل مشرق، أدركت أنه بأنتظاري عواقب وخيمة متلاحقة، بساط لا نهائي من "العواقب الوخيمة".


ولكني اﻷن في تساؤل عديم الجدوى حول حالتي هذه،
فحالتي الأن تشبه حالات كثيرة من عدم الأستقرار والتشتت وضياع المعني في الحياة، أترى هذا بسبب نظام نومي الغبي، أم أنه بسبب هذا الشعور بالأختناق، هناك أمور تحدث ولكن يصعب عليّ الحديث عنها هنا، يمكنني أن أصف هذه الحالة بأختصار أنها حالة وجودية سماها احد العابرين بحياتي يومًا  "بلوك"، ربما تأتي هذه الحالة في اللحظات الأكثر روتينية في حياتي، والتي تتكرر كل عام بطريقة مملة، الأشياء ذاتها تكرر نفسها كل يوم بطريقة دراماتيكية تدعو للتقيوء، لا شيء جديد، فقط الأيام تمضي لتتراكم خلفي السنوات، وكل ما أفعله انا أنني أنجو بطريقة ما، أخفض رأسي في مواجهة كل شيء وأنتظر مرور سرب طويل من الخيبات لتمضي مع السنوات.
لكن لحظة .. أنا أحاول تجاهل حقيقة أن أغسطس قد حل، وأن عامًا أخر قد مر دون تغير ..
أعتقد انه هناك مرحلة عمرية معينة ستأتيك، تنظر فيها كثيرًا إلي الوراء وتتسائل إلى أين أمضي؟!
‏ولكن في هذه المرحلة سيكون السؤال حادًا وعميقًا ،لن تستطيع أن تتجاوزه بالكتابه عنه، ولا بمحاولاتك التافهه للعيش علي سطح الأشياء، ولن تجد جوابًا مرضيًا، ولن يختفي خلف ضجيج الحياة كما تفعل بقية الأسئلة.
لذلك أنا الآن أحاول أن أحلل موضوع هذه الأزمة الوجودية ..

في مقتبل الثلاثين لا ينتهي الفرح ولا تجف منابع الدهشة داخلك من الحياة، لكن شعور الفرح والدهشة تدفعهما فكرة الخوف وليس الشغف، تدفعهما فكرة الفقد والتشبث، فتصبح بذلك فكرة اختلاق الفرح ترفًا من ترف سنواتك في العشرينات، حين كان هناك متسع للضجر من التواصل والناس والحب والدهشات.
 في مقتبل الثلاثين تسيطر عليك فكرة الهرب من العزلة وليس الهرب إليها، فيصير هذا الفرح مرتبطًا بفكرة الخوف من الفقد، فقد شخص، مكان، حاله أو شعور داخلك، كأنه وضع أقرب مايكون للصفقة، مساومة وسباق مع الفجائع المتظراك في القائمة، أفرح قبل أن أفقد، أفرح لأن الأشياء ليست لي وليس بوسعي امتلاكها فأهلل فرحًا لعبورها السريع بي ..


في مقتبل الثلاثين يظل في القلب متسع للحب، لرعشة الشوق ودفئه، لكنه حب بلا يقين، حبًا ساخرًا من فكرة الوعود اللحظية، قَلِقاً من فكرة الأبدية، حبًا بعين أطالت النظر للخراب الهائل الذي خلفه التطاول في الأحلام، حبًا بقلب اختبر نفسه بأن يصير شظية ونهض من رماده متعثراً، حبًا بيد مرتعشة جربت مرارًا السقوط في الفراغ والخيبات ففقدت يقينها بالتمسك بالأشياء.

في مقتبل الثلاثين نعم يكون هناك متسع للأيام الجميلة المبهجة، تلك التي تمر فيها عقارب الوقت ونحن في غفله دون أن نشعر بسميتها، وتمضي ثوانيه وكأنها تربت على قلوبنا، لكن الشعور بالوقت ليس كما شعورك الأول به، الوقت عندها يتضاءل لكثرة ما تفرق وتاه في محاولات فاشلة للسعادة، تستمر الساعات في التقلص كلما زاد تراكمها الذي تركناه في الخلف، تراكم كل يوم يدفعنا إلى الأمام .. إلى الهاوية.

أخيراً .. لقد فكرت بكل الأسباب المحتملة التي من شأنها أن تشعرني بهذا القلق الوجودي الذي يأتي بحلول ذكري يوم ميلادي، ولم أجد سببًا منطقيًا واحدًا يرضيني رضا كامل، فكل ما ذكرته في الأعلي اساسه أفكار أعتدت عليها، هذا شيئًا معتادًا بالنسبة لي، فلماذا إذن هذه الحالة الغريبة! ولكن بطبيعة الحال عقلي الغريب دائمًا عامر بالأسباب اللامنطقية، او ربما ‏أنا شخص لديه ميل طبيعي للكآبة، شخص تلمع عيونه دائمًا بشكل حزين أو شيئا من هذا القبيل .

ولكني حزينه الأن من اجل الأشياء، الأشخاص، المشاعر والأماكن التي سأخسرها في السنوات القادمة، حزينه لأن الشعور بالخسارة لن يكون له وقع الخسارة الأولي والثانية، لن يكون له تأثير شعوري قوي لانه جاء بعد سلسلة كبيرة من الخسارات، اعتيادك علي الخسارة، الاعتياد الذي يعني مرورك علي الشيء مرات لا تحصى و مروره عليك ألف مرة ومرة ، حتي يأخذ منك كل دهشة وترقب، إلى أن تفقد ملكة الانتباه إليه وإدراك تفاصيله، السيء منها والجميل.
حزينه ﻻني سأترك كل الأشياء -مهما كانت ثمينة- تذهب دون أن أقدم على أي مقاومة للتمسك بها، لقد تمسكت بالكثير والكثير من الأشياء والأشخاص في السابق حتى جرحت أطرافي عندما غادروني، أو حتى عندما تخليت عنهم شيئًا فشيئًا، لم يبقى أي شيء لأني تمسكت به، بل ذهبت الأشياء لانها كانت تريد ذلك بكل بساطة .

ولكننا كلما كبرنا وازددنا وعيًا وننضجًا، كلما أصبحنا أكثر تقنينًا في كل شيء، فالنضج يمنحنا فرصة أن نتوقف عن الإفراط في ردات الفعل، وحتى في العواطف والشعور. 



الثلاثاء، 11 يوليو 2017

صور مشوشة وغامضة



ما الذي يدفعني للكتابة الآن رغم ما أشعر به من أرهاق نفسي وجسدي وعقلي !
هل هو هذا التخاذل المقيت عن الحكي والثرثرة مع الأخرين ،فقدان الرغبة في الحديث من كثرة ما أستخدمنا من كلمات لم تستطيع أن تعبر عنا بدقة ؟ أم هي الرغبة في الأحتفاظ بمتعة مختلفة يمارسها عدد قليل من الناس.
الحقيقة لا اعرف الجواب كعادتي ،فأنا دائمًا ما أطرح الأسئلة بعجز وعبثية ،وربما هذا فقط لكي أجد اليوم مدخﻻً للكتابة .
منذ أكثر من شهر وانا احاول جاهدة الكتابة عن مشاعري خلال تجربة مررت بها، تجربة تذكرني بعنوان رواية لعبده خال أسمها "الموت مر من هنا" ،ولكني بكل ما أوتيت من عجز لم أستطع تحديد مشاعري حتي الآن تجاه التجربة ككل ،لذلك فشلت في المحاولة .

كل هذه المقدمة أعلاه التي لم يكن مخطط لها أطلاقًا في حقيقة الأمر كانت فقط لأقول أن هناك شيئًا عالق في قلبي كالعادة ولا يمكنني قوله او كتابه ،لذلك ستكون هذه محاولة عبثية مهترئة لكتابة أفكار رمزية تحوم حوله ،ربما ستخفف هذه المحاولة من ضغطه علي القلب والخاطر .
يتترد في ذهني الآن بعض الأسئلة ..
ما الذي حدث لأحدهم حتي يكون وحيدًا في مثل هذا الوقت ؟ ما الذي تعنيه الوحدة لكلا منا علي وجه الدقة ؟ ما القصة التي حصرته الحياة بها ليأخذ فيها دور البطولة كفأر عالق في مصيدة لا يستطيع الأفلات منها ؟ ولماذا أشعر أنا بالحزن الآن لمعرفة أن هناك أشخاص في هذا العالم لم يحصلوا علي الحب الكافي حتي ولو بدو لنا سعداء.
احيانا أشعر بأن المواساة رغم أنها تعزز من الشعور بالألم والمصيبة إلا انها امر ضروري حتي لا نشعر بالوحشة ،من الضروري أن يجلس أحدهم بحانب الأخر ليضم يده ويقول له سينتهي كل شئ قريبًا وبعدها كل شئ سيكون علي مايرام ..
خلال الفتره الماضية كانت هناك أيام شعرت فيها بأنحناء روحي كجسد امرآة عجوز ،شعرت فيها بأنحناء روحي وأنا أمشي بأقدام مثقلة أنهاكًا وتعبًا ،أجرهما من السرير الي المطبخ لأتي بزجاجة ماء ،في الليل لا أنتظر نومي فأنا أعرفه رديء الجودة، في الصباح أدخل الي الحمام تبدو لي فكرة الاستلقاء في حوض الاستحمام وسماع الاغاني التي تعزز الشعور بالياس والكأبة فكرة جيدة وتناسب حالتي ،استلقي هكذا لا اعرف في اية وضع اكون ،أشعر ان هناك شئ يخترق جفني، مغمضة العين أتألم، مبصرة أيضاً أتألم لا يريحني الاستلقاء ولا يستقبلني الجلوس، ورغم هذا أتباين بينهما ،اجلس هكذا للتأمل في عتمة الحمام المغلق ، أتأمل الضوء الذي تشكل على الجدران علي هيئة خط رفيع دقيق ،أقول في نفسي هذا قلبي ، هذا المكان المظلم قلبي ، وهذا النور الخافت أعرفه بالضبط ماهو ،أعرف فيمن تجسد ،اعرف انه انت .
لم يعد لدي ذلك الصمود الأنيق في الأونة الأخيرة ،تغير الأمر كثيرًا ،بات كل ما يمر علي بكلمة عارضه وغير مقصودة يخدشني فورًا لتسقط دمعه دون وعي ،يضرب الوجع المتسلط بكل أشكاله مهارتي السابقة في التحمل ، يراودني احساس ضاغط بالضيق وكأن احد شرايني أنفجرت وبينما الدماء تسيل تتسرب الحياة معها ،وانا اقف هناك اشاهدها بكل عجز وبلادة، أشعر بقلبي كشيء ثقيل علي صدري لم اعد اقوي علي حمله ،فأتساءل ما الذي سيحدث حين تتراكم الآلام ولا تعود محتملة، ربما سأموت، أو ربما تفتك بعضها البعض واتخلص منهم جميعا ،اصمت هكذا ثانية لتاتي الفكرة المعتادة في رأسي ،ثم أردد بعدها الجملة المعتادة أيضًا: أود ان احمل مسدس واوجهه لرأسي تحديدا وأطلق رصاصة ثم أقف أضحك على سيلان الوجع مع الدماء  فيخرج ببطئ ولزاجة ،لكنه الآن لا هوية له بدوني، ثم بعدها أعود لوعي فأدرك أن هذه الحياة اللعينة تؤلمنا بتفاهتتها وجديتها في نفس الوقت ،فقد ضحت بالفانتازيا عند أول نوبة غضب ،فأذكر نفسي وأقول ان الميزة الوحيدة للآم احيانًا أنه يجعلك تكبر بطريقة لم تمر يومًا بمخيلتك.

ذات يوم سألتني صديقتي لماذا تاتي التغيرات الجذرية في حياتنا او شخصيتنا دائمًا بعد التجارب القاسية ؟هل تغيرت الحقائق ام انها كانت أوهام ؟ صمت ثوان ثم قلت لها أعتقد ان الحقاق لا تتغير انها تظل ثابته ،ولكن بعد التجارب القاسية تصبح الحقائق أكثر وضوحًا وتظهر عدة جوانب اخري للحقيقة الواحده ،مزيد من الجوانب التي كانت تخفي علينا تظهر جلية لنا ،تزول تلك الأوهام التي صنعناها ربما بانفسنا لتغلفها ،لتبقي الحقائق فقط ماثلة امامنا.

كنت أريد ان اتخذ دور المتفرج في الحياة ، ولكنها لاتزال تقحمني في مواقفها المتصارعه .



الثلاثاء، 23 مايو 2017

اليوم الأخير

لو كان هذا اليوم هو يومي الأخير، سأبقي مستيقظه في سريري ، سأطيل البقاء فيه ، سأتأمل السقف كثيراً، وكأنه السماء مليية بالنجوم ،بها القمر بأبهي وجه ، سأجول بنظري بين الجدران، وكأنني أراها للمرة الأولى ، سأدقق في تفاصيل المكان ،انا اهتم بالتفاصيل الصغيرة ،
سأفتح النافذة في الصباح .. الشمس تبدو على غير العادة باهتة رغم أن الجميع يشعر بأشعتها متوهجة ، سأنظر إلى نفسي في المرآه، أبدو حزينة اليوم ،ربما الحسنة الوحيدة للحزن أنه يضفي بعض الجمال علي الوجة ،ولكن هل سيساعدني الجمال في تمديد وقتي في الحياة ؟ سأحصي عدد الكتب المركونة علي المكتب ،ربما أربعة أول ثلاته .. لقد قرأتها كلها، ما فائدتها الآن ؟ ساحصي عدد الكتب التي قمت بتحميلها علي هاتفي ووضعتها في قائمة القراءات اللاحقه مع بعض الأفلام ،اتري متي سأستأنف قرائتها ؟ سأسقي نباتاتي المصفوفة علي الشرفة. ما الجدوى من وجودها؟

سأسأل نفسي أسئلة وجودية كثيره ، ياتي بها عقلي من كل زمان ومكان ، سأسأل نفسي دون أن ابحث عن إجابة، هل عشت حياتي كما أريد ، أم أنني في كل تلك الفترة تواجدت فقط كضرورة حتميه لوجودي ؟ سأسأل نفسي دون أن يتكبد عقلي عناء التفكير فيما إذا كنت نادمة عن تبديد سنواتي السابقه في الفراغ، سأسأل نفسي دون أن أرغب في معرفة الأجابة كاعادتي إن كان لوجوي فائدة؟

سأذكر نفسي اني كم تمنيت أن أسافر لكثير من المدن والبلدان ، وأني جربت ولو لمرة واحدة أن أتفوق على نفسي وأخوض تجربة جنونية للسفر دون علم عائلتي ، وسأذكرها أن الخوف من عواقب هذا لم يمنعني من الاستمتاع بالتجربة ، سأتذكر كم حلمت أن أستيقظ في المكان الذي أحب مع الإنسان الذي أحب، سأتذكر كم رغبت بشكل قوي وحقيقي ، أكثر من أي شيء آخر أن أصادق أبي وأمي أو أن أفهمهم على أقل تقدير ،لكن ما الفائدة من تحقيق الأحلام الآن؟

سأقرر بأن لا أحجز لأقرب رحلة الي المدينة السياحية الاكثر جمالا هنا في بلدي والتي أود وبشدة قضاء بعض أيام هذا الصيف الحار جدا فيها ،ولا حتي أسافر لبلد الأحلام، سأقرر بأن لا أجرب القفز من فوق السحاب مثلما راودني ذلك في حلم من أحلامي الفانتازيه وبعدها فكرت ان اجرب القفز بالبراشوت لأتحايل علي الواقع في تحقيق هذا الحلم ، وأن لا أتذوق اغرب الأكلات من كل دول العالم أو أن أذهب إلى أدغال إفريقيا أو جزر المالديف أو جسر العشاق أو أزور البندقية أو ان أنام في بيوت الجليد  .لازلت لا أفهم لماذا يختار الناس أن يفعلوا هذه الأمور عندما يسألوا عن أمنيتهم الأخيرة؟ لماذا لا يفعلوها وقد كان هناك متسع في عمرهم ليستمتعوا بها أكثر ؟ هل حصرية لآخر يوم من الحياة؟



لن أعتذر ممن أجلت اعتذاره، لو كان علي ان اعتذر لأحد لكنت أعتذرت لمن أسأت اليهم في نفس اللحظة ، لن أعترف بمشاعري الحقيقة سواء حب او كره لمن أخفيتها عنهم طوال ايامي الماضية ، فهناك منطقة مظلمة داخل كل أنسان لا يراها أحد ،وهذه هي منطقة المشاعر الخفية ، ويجب ان تبقي هكذا ، لن أقول أحبك إلا لمن اعتدت أن أقولها له، ولو بغضت احد لاني لم اعتاد الكره ،لن افصح عن بغضي هذا طالما امتنعت في الماضي عن هذا الفعل، لن أخبر الجميع بأني سامحتهم، ولن أطلب السماح من أحد. لقد كان لدي الكثير من الوقت لأقول كل هذا واعتقد اني فعلته بما يكفي في هذه الحياة ، ولم يعد لهذا فائدة الآن، أنا لا أحب فكرة اللعب في الوقت بدل الضائع، لا أحب الوقت بدل الضائع من الأساس.

سأقبل أمـي وأخوتي ، تماماً كما أفعل دائما ، سأنظر إلى أبي، دون أن أقول شيئاً عندما أكون غاضبة ، وسينظر إلي دون أن يقول شيئاً، تماماً كما يفعل. سأطعم قطتي وأمسح علي رأسها وأداعبها قليلا ، ثم أعود لغرفتي وأغلق الباب تماماً كما أفعل كل ليلة ، سأرتب ملابس وأغراضي واوراقي رغم اني كأئن فوضوي وأفضل رمي الأشياء هنا وهناك ،ولكني أجبرت أن أكون منظمة ،سأضع كل شيء في مكانه تماماً كما تفعل أمي والان لا أريد أن أخلف ورائي أي فوضي ،لا أريد أن أخلف ورائي أي شئ اصلاً ، ربما سأحرق كل أشيائي، ما الفائدة من التخليد ، شغف الإنسان للتخليد لا يفهم ، كان دائماً موضع سؤال بالنسبة لي ،ما جدوي أن يبقي ذكرك أو أسمك أو أشيائك وانت لست هنا ؟!

سأتمنى لو تمهلني الحياة دقائق ، تهبني وقت أضافي أكون فيه بالقرب ممن أحب، أراقبه وهو نائم في صمت ، أمسح وجهه وأقبله في جبينه أو بين عينيه، سأتمنى لو كان بأمكاني أن أكتب له رسالة، من كلمة واحد ققط “آسفة”.
 آسفة لأني الأن اتركك وحيداً ، آسفة لأنك الأن تتكرني وحيدة، آسفة لأنك ستعيش وتحب من جديد.

 سأبكي كثيراً، أو قليلا ، ربما دمعة واحدة .. لا أعلم ما الذي سيريحني  ربما لن أبكي أبداً ، سأشعر بالخوف .. الخوف الذي لن يزول، الخوف الذي عاهدته دائماً، لن أستطيع أن ابتسم حتي لزاوية صغيرة من شفتاي ،لا يمكن أن أستقبل الموت وأنا سعيدة، سأغمض عيني، وأنتظر متمنية أن لا يقل شعور الموت عن لذة شعور النـوم .

الاثنين، 22 مايو 2017

صوت الصمت

هذا ما افعله عادةً، اكتب كل مايخلب الروح من آلام ، مايشفى منها وما لايشفى.

ولكني منذ عدة أيام أردت أن أكتب عن شئ ما عالق بداخلي ،فكتبت بضعة أسطر قليلة في الأيام الفائتة مخافة ان تهرب مني الكلمات، فحين يكون الوقت والمزاج مهيئان تماماً للكتابة أكتب حتي لو جملة واحدة ،ولكني هذه الأيام وحيث كان يحتشد في صدري الكثير من المشاعر والكلمات ،فظننت خاطئة أن الكلمات ستنساب بساطة على الورق كما اعتدت أن أفعل حين تحيط بي هالة شعورية ضخمة، ولكن وبينما كانت الكلمات تتسابق وتتصارع أيها سيكتب أولا وأيهما ستمحي ابداً وجدت أن يدي لا تسير بالسرعة نفسها التي تهدر بها الكلمات في مخيلتي وذاكرتي ،فأدركت أن هذه الأفكار لن تجلس بسهولة على الورق.

كان الأمر سئ ومزعج  بالنسبة لي، طريقة وصف رديئة ، جمل ليس بينها ترابط ،فقرات لا علاقة بين الواحدة والأخرى.

حاولت أن اصلح الأمر كما كنت أفعل دائما حين أريد نمط معين أكسي به النص او ثيم موحد لكل الحكايات ، فعندما افقد الترابط أعود لقراءة ما كتبت من البداية حتى المكان الذي تعثرت به في الكتابة ،فأجد جملة مضيئة في عقلي ،تجعل الموضوع اكثر انسجاماً فتعود انسيابية النص من جديد ،ولكن يبدو ان هذه الحيلة لم تنجح أيضاً.

في هذه الساعة شعرت بالعجز والهزيمة ، فحقدت على نفسي بشكل غير مسبوق ، لأنني مسؤلة عن هذا .. كيف انني عاجزه عن وصف غضبي ؟ كيف تهت في أفكاري ومشاعري ؟
مساء أمس بعد أن أستيقظت من نوم خفيف مليئ بالكوابيس واستعصي علي العودة الي النوم مجدداً ،وهذا ما يحدث معي دائما ولكن في الأيام الاخيره تطور الأمر معي ،حيث عاد صديقي الأرق مره أخري ، هذا الصديق الحقير معه تشعر انك تتبادل الأبتسامات انت والموت .. حاله لا متناهيه من السقوط الحاد، ماركيز أختار له أسم قوي في "مائة عام من العزله " اسماه (طاعون القلق)
بينما كنت بالأمس ممدده علي سريري مبلله بالخلط بين التفكير والنوم ،تناهي الي صوت الصمت جملة صغيرة في عقلي ، توحي بأن الثيم الموحد والمفتاح المناسب لكي اكتب هو الصمت .
الصمت الذي غالبا ما يسئ فهمه الأخرون ،غالبا مايفسروه علي انه كبرياء ، او سفه أو ما شابه ، ولكني أصمت عندما يصل شعوري مداه ،عندما يصل الأحساس بي الي أعمق نقطة في قلبي ،فأعجز عن أيجاد كلمات تعبر عني.
وقفت صامته أمام الليل أتأمله ، اتخيل زوايا المشفي وافكر ، أتري ماذا ينتظرني هناك ؟
أشعر بالخوف هكذا ببساطة بدون استعارات شعرية او تعقيدات ،خائفه كقطعة ثلج تهرب من أشعه الشمس هنا وهناك .

الثلاثاء، 9 مايو 2017

رسائل بين فتاتين حالمتين (الرسالة الثانية )


في عصر التكنولوجيا السريعة والبريد الالكترونى وتحت هذه التدوينة، سأنشر أنا وصديقتي سميحة الصواف رسائل ورقية متبادلة بيننا ،محاولين أن نطل برؤسنا خارج الصندوق ،رسائل سوف نتبادل فيها الحب والأغاني والأفكار والرأي ووجهات النظر المختلفة، لتنمو بيننا ذاكرة مشتركة لا يمكن أن يمحيها الزمن ،وكوسيلة لتحسين الوضع السيئ والمشاعر المرهقة والبحث عن لحظات قليلة للسعادة والجنون ،عبر هذا الواقع الإفتراضي لهذا 
العالم التعيس .

عزيزتي الرائعة
                  سميحة
لست بصدد أن أكتب شيئاً مبهراً ، ولكني أتمني أن تترك أولي رسائلي لديك شعور بالألفة والصدق ،ولقد ساعدتني فكرتك علي ذلك كثيراً ، فكتابة لرسائل تجعل المرء يعيش حالة خاصة من المشاعر وعلاقة مميزة مع الورقة والقلم ،فتتبح بذلك فرصة أكبر للتعبير الوجداني ،ربما تبدو هذه للبعض فكرة جنونية ولكني أراها بنفس القدر كلاسيكية ، وهذا يتناسب تماماً مع شخصيتك المبهجة والمحبة للحياة رغم وجهها القبيح.
وما أثار حماسي ايضاً لفكرتك هو " التمرد"  ،
التمرد علي هذا الجمود العاطفي الذي سجنتنا فيه وسائل التواصل الحديثة ،
التمرد علي الزيف والأستعراض والتصنع والرغبة في الظهور ،
التمرد علي كل هذه الكلمات التي رصفناها كنمال مجندة  علي أوراق إلكترونية لا حصر لها ،ثم أرسلناها ففقدت معناها عبر أفتراضية هذا العالم البائس.
سأكمل حديثي عن هذا الموضوع معك لاحقاً ، أو ربما في تدوينه مخصصه له .
ولكني الآن أود أن أخبرك أن رسالتك غمرتني بالبهجة والسعادة ،لذلك لا تهتمي كثيراً ولا ترهقي نفسك في البحث عن الاقلام والأوراق الأكثر جمالاً ،فرسائلك تعني لي الكثير حتي لو كتبت علي أوراق مناديل أو بأحمر الشفاه خاصتك.
أما بخصوص ما ذكرته عن علاقتك المتوترة مع القلم الحبر وتفضيلك للقلم الرصاص عنه ،أعتقد انني أستطيع أن أتفهم هذا وربما هذا يرجع لعلاقتنا جميعاً المتوترة مع ماضينا ،بما يحمله من أراء وأفكار وقرارات دافعنا عنها بالسيف قبل القلم في وقت سابق ،وأستطعنا أن نلمس تأثيرها علينا بعد حين ،متمنين لو أنها  كانت كتبت بقلم رصاص إذ أننا يمكنا بخطوة واحدة محوها جميعاً ،دون أن يخلف ذلك فينا ندوباً لا تزول .
وعلي ذكر الماضي سأخبرك بشئ تذكرته الآن وهو حقا يدعوا للضحك والسخرية ...
في الماضي كنت أتصور .. لا بل أؤمن أنني لست أكثر ولا أقل نفعا من صخره ،حبة رمل ،وردة أو عصفور ،اما الآن فأنا لدي قناعة - مؤقته - أنني أقل نفعا منهم بكثير ،ولكني مثلهم جزء من تناغم هذا العالم .
وربما بعد ساعة من الأن سألقي بكل هذه التصورات والقناعات بكل قوة في أول سلة مهملات تصادفني ، أترين - أستطيع أن أراكي تضحكين علي هذه التصورات ،ولكن ماذا يساعنا أن نقول غير أنها تصورات فتاة حمقاء.
ربما ستتحسن علاقتك بالقلم الحبر اللعين هذا عندما نتوقف جميعا عن القلق بشأن ما مضي وما هو أت ،عندما نستطتيع أن نتصالح مع فكرة أننا كبشر يمكننا أن نمتلك أفكار اليوم ثم نحيد عنها في اليوم الذي يليه ،وانه لابأس من أعادة النظر في بعض الأمور بين الحين والأخر دون التذمر من عواقب هذا ،
وأن ما مررنا به هو ما هيئ لنا أن نكون نحن الآن ،ولو كان هذا هو ثمن شعورنا بالحياة فهو ثمن سندفعه بكل رضا .
نعم صحيح أنا لا أملك تدابير حكيمة ولا نصائح نيره بشأن هذا القلق المضطرم في تجويفنا الصدري ،ولكني لدي يقين لا يساوره شك بأنك رائعة ومكتمله ، بكل هذه الأشياء التي تركها العالم والبشر بداخلك ، مره بعد مره وتجربة بعد الأخري ،هفواتك ، اختياراتك ،أخطاءك ،تجاربك ، نجاحاتك وحتي الأعين الكاذبه والمدعية من حولك .
أخيراً. ماذا أخبرك عني ،يكفي ما ثرثرت به طوال هذه الرسالة ،سأختصر حالتي هذه الفترة بجملة واحدة ..
أشعر أني أنطفئ في حين أن كل ما حولي يبالغ بالتوهج .

                                  سامحيني علي الخط السئ
                                        صديقتك الوفية
                                                  ريم